صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )
230
حركة الإصلاح الشيعي
وقد قامت في جبل عامل ، بعد استئناف الدستور وحرية إقامة الجمعيات سنة 1908 ، نواد وحلقات ثقافية حيث كان يجتمع الأدباء ويقيمون المحاضرات . إلا أن الحماسة لمثل هذه الجمعيات لم تدم طويلا ، لأنها كانت مرتبطة ارتباطا وثيقا بالتشكيل السياسي الجديد الناتج عن ثورة تركيا الفتاة وعن المطالب - وكانت جميعها ثقافية - لدعاة القومية العربية . وفي أثناء الحرب الكبرى ثم عند قيام الانتداب الفرنسي وإعلان لبنان الكبير ، انشغل الأدباء العامليون بمشاغل أخرى : فانكفأت هذه الحلقات ثم اختفت . بعد ذلك في عهد الانتداب نشأت بعض الجمعيات ومنها جمعية النهضة العاملية في النبطية ، أسست سنة 1927 ، وكان هدفها إحياء الحركة الثقافية في البلاد ، وقد لعب فيها محمد جابر آل صفا دورا رياديا « 178 » . ونظرا لغياب المصادر التي قد تثبت العكس ، فمن الطبيعي أن نعتبر أن هذه الحلقات الثقافية كانت مقتصرة على النخبة العاملية ؛ أي الأدباء والوجهاء ورجال الدين ؛ وكانوا يجتمعون فيما بينهم . إلا أنها كانت أكثر انفتاحا من مجالس العلماء والوجهاء التقليدية حيث كانت الأفكار متداولة إلى ذلك الحين . وكانت الأحداث التي تدور في تلك الحلقات تتخذ طابعا علنيا ، لم يكن للاجتماعات شبه الخاصة لجماعة من الرجال كانوا يتحلقون حول فرد يستقبلهم في بيته « 179 » . وليس من المبالغ فيه القول إن هذه الحلقات قد ساعدت في تأليف مساحة عامة ورأي عام وأنّها شكّلت خطوة نحو توسع انتشار الأفكار والمعارف . كذلك أسست مكتبات عامة ؛ واحدة في صيدا وأخرى في النبطية افتتحتا في سنة 1929 ، ثم مكتبة التهذيب العاملية سنة 1930 في بنت جبيل وقد أسسها مجموعة من الشبان « 180 » . وكانت مجالس التعزية التي تجمع المؤمنين في ذكرى استشهاد الإمام الحسين في عاشوراء أو في مناسبات الوفاة ، تمثل نمطا آخر من الاجتماعات الأكثر تجذرا في النفوس ، وتمكّن من نشر الثقافة الإسلامية على نحو أوسع . ولسوف تثبت دراسة إصلاح الشعائر في هذه المجالس ، في الفصل الآتي ، أنها أصبحت ذريعة لتثقيف الناس أكان ذلك بوعظهم أم بعرض التاريخ الإسلامي عليهم . ولقد نظّمت ونسّقت حتى بنيت لأجلها أبنية خاصة هي الحسينيات . وبالنتيجة ، فإن تطور الصحافة والطباعة سرّع في إنتاج الأفكار والمعارف وانتشارها ؛ فباتت تناقش في الأماكن العامة ولا سيما المقاهي ، وكذلك في المجالس الخاصة . فتخطت المعرفة
--> ( 178 ) . محمد كاظم مكي ، الحركة الفكرية والأدبية ، ص 213 . ( 179 ) . حول مجالس العلماء أنظر مثلا : جعفر شرف الدين ، المجلس الثقافي ، من دفتر الذكريات الجنوبية ، الجزء الثاني ص 54 وما بعدها . ( 180 ) . محمد كاظم مكي ، الحركة الفكرية ، ص 217 ، مصطفى بزي ، تطور التعليم ، ص 346 - 350 .